عن مؤتمر باريس وحل الدولتين العنصري..!

بقلم: د. حيدر عيد

لا شك أن حضور سبعين دولة ومنظمة دولية بما فيها الدول الأعضاء في مجلس الأمن مؤتمر باريس حول القضية الفلسطينية له دلالات غاية في الأهمية تتمحور حول ما أكده البيان الختامي للمؤتمر، أن “الحل التفاوضي لدولتين هما إسرائيل وفلسطين تعيشان جنبا الى جنب بسلام وأمن هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام الدائم.” من الواضح أن هناك شبه إعتراف متأخر من قبل “المجتمع الدولي” بأهمية القضية الفلسطينية وعلاقتها بالتدهور الأمني في منطقة الشرق الأوسط و تبعات ذلك على باقي دول العالم.

يأتي ذلك والقضية الفلسطينية في أسوأ حالاتها على الصعيدين السياسي الرسمي والفصائلي، وتحولها الى قضية احسان تقوم به تارة قطر وتارة تركيا، بالتنسيق مع الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، وتحول الاهداف النضالية التحررية الى قضايا مطلبية تنحصر في  توفير جدول 8 ساعات  كهرباء لسكان القطاع المحاصر منذ 2006، وفتح معبر رفح لمدة يوم أو يومين كل شهرين، وهجوم استيطاني غير مسبوق التهم أراضي الضفة الغربية جعل الولايات المتحدة الأمريكية تمتنع عن التصويت على قرار مجلس الأمن 2334 الذي يطالب إسرائيل بوقف التمدد الاستيطاني، ومن ثم إقرار الرئيس الأمريكي باراك “هوسين” أوباما في خطابه الأخير بوجود الفيل في الغرفة، أي أن “نتنياهو فد جعل اقامة الدولة الفلسطينية مستحيلا”..!

ويأتي عقد مؤتمر باريس في ظل غياب أصحاب القضية بعد تحول برنامجهم من برنامج تحرير شامل إلى برنامجين متناقضين شكلياً: إدارة بانتوستان تحت احتلال من خلال اتباع سياسة نيوليبرالية، وإدارة شؤون 2 مليون سجين في معسكر اعتقال و لكن بعباءة دينية..!

وهكذ يتم عقد المؤتمر ًفي ظل غياب أي أفق سياسي يعطي أمل للشعب الفلسطيني بإمكانية التخلص من اسقاطات اتفاقيات أوسلو التي تم رفضها وبشكل واضح في انتخابات 2006، وسقوط البديل الذي تم التصويت له في فخ الجدل البيزنطي الأوسلوي حول إمكانية إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 67.

ولكن مما لاشك فيه أن حصر القضية الفلسطينية والأهداف النضالية في هدف الاستقلال الوطني، أي إقامة الدولة، بدأ يأخذ أولوية غير مسبوقة حيث أن الهدف التحرري أصبح ينحصر في النضال من أجل اقامة معزل عرقي “بانتوستان” منزوع السلاح على نمط المعازل الجنوب افريقية سيئة السمعة والتي لم تنل أي اعتراف دولي إلا من اسرائيل. بمعنى آخر إن الشرخ العامودي في الوعي النضالي الفلسطيني، من خلال عملية تصنيم لفكرة الدولة على حساب التحرير وإسقاط حق العودة، بدون الاعتراف بذلك، والتكرار الممل عن “المشروع الوطني الفلسطيني”، بالضرورة يتصادم مع تطلعات الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني من حيث كونهم لاجئين كفل القانون الدولي حق عودتهم، ومن حيث كون الجزء الثالث، أي مواطني إسرائيل من أصل فلسطيني،  يعيش في مواجهة نظام أبارتهيد من الدرجة الأولى.

وعلى الطرف الآخر من المعادلة الفلسطينية يتم طرح هدنة أحيانا لمدة 10 وأحيانا أخرى لمدة 20 عاما. ويتم الجدل على أن هذا هو “البديل” لسقوط الخيار الأول. وعلى الرغم من عدم وجود فوارق جوهرية من حيث مبدأ القبول بحل عنصري وبامتياز للقضية الفلسطينية بين هذين الطرفين، الا أن التناقض الذي من المفروض أن يكون ثانويا أصبح بارزا وبشكل اساسي وتم توظيفه في خدمة الحل العنصري. لاشك أن ما يسمى “البديل” والذي يراهن أيضا على إمكانية المحافظة على هدنة لمدة 20 عاما والاعتماد على مبدأ أن يقبل هذا الطرح لبراجماتيته المغرية للمجتمع الدولي، في الحقيقة يفتقد لرؤية استراتيجية واضحة لحل الصراع بطريقة تضمن عودة اللاجئين. ما معنى 20 عاما من الهدنة؟ أليست هذه رسالة للاجئين بان يصبروا 20 سنة اخرى حتى تتغير موازين القوى؟ وماذا إذا لم تتغير موازين القوى؟

يضاف لذلك الحديث عن حل الدولتين وجعله الخطاب السياسي السائد وبالذات بعد عام 1993، انخراط بعض المثقفين المحسوبين على اليسار تاريخياً والذين مروا عبر عملية أنجزة بعد حداثية جعلتهم يتحولون اجتماعيا وسياسيا للصف اليميني، وأرغب بتسميتهم “اليسار النيوليبرالي”، في الدفاع عن هذا الحل على أنه الوحيد المتاح في ظل موازين القوى السائدة، والتهديد فقط بطرح حل الدولة الواحدة، مع الخلط بين حل الدولة الديمقراطية وحل الدولة ثنائية القومية ، كفزاعة ليس فقط لاسرائيل بل أيضا لنا  سكان الارض الاصليين. أو ان حل الدولتين لا زال برنامجا مرحليا مناسبا. ما هذه الا محاولات تدل على سقوط أيدولوجي مدوي في مستنقع تبرير ما لا يمكن تبريره بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والستالينية جاهزة القوالب، وعدم الايمان بقوة الشعب والتضامن الدولي الجماهيري في إحداث تغييرات ثورية على نمط ما حصل ضد نظام الأبارتهيد البائد.

إن خيارالدولة المستقلة أصبح مستحيلاً لأسباب عدة، أقر بها الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته، منها اتخاذ اسرائيل خطوات عملية على الأرض لاسقاط هذا الخيار من تحويل المستوطنات، بعد توسيعها، الى مدن وزيادة عدد المستوطنيين الى أكثر من نصف مليون، وبناء جدار الفصل العنصري، وتوسيع القدس الكبرى، وعملية التطهير العرقي الممنهجة فيها، وتحويل القطاع الى أكبر مركز اعتقال على سطح الكرة الارضية، وبموافقة ومشاركة دولية وعربية

من الواضح ان الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها قد أصابها فيروس أوسلو بما يتميز به هذا الفيروس من خلق وعي زائف يحول النضال التحرري من اجل عودة اللاجئين، والمساواة،  وان القضية هي قضية نضال من اجل حقوق الانسان والديمقراطية الحقة، إلى قضية “استقلال وطني” محدود السيادة، وعلم يرفع، ونشيد وطني، وقطعة أرض صغيرة نمارس عليها “سيادة” بلدية، ونفتح وزارات، ولكن كل ذلك بإذن من المحتل..! ليس من الغريب، اذن، ان نتنياهو وليبرمان، يعزفان لحن سيمفونية الدولتين، مع العمل على خلق حقائق على الأرض تجعل ذلك الحل مستحيلاً..!

وهنا يكمن خطر مؤتمر باريس الذي يعمل على “حماية إسرائيل من نفسها”..! من خلال الاستبسال في الدفاع عن حل عنصري يشرعن الأبارتهيد و عبودية الفلسطيني الأزلية للصهيونية. فلنتصور سيناريو يتم به عقد مؤتمر دولي لمناقشة “الصراع الجنوب أفريقي” في القرن المنصرم بدون حضور حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وعمل المؤتمر على حماية “نظام الأبارتهيد” من نفسه، أو دعم المعازل العرقية كونها “الأمل الوحيد المتبقى” لحل الصراع بين “الطرفين المتناحرين”..!

إن (لا) حل الدولتين قد مات، وقامت إسرائيل بإطلاق الرصاصة الأخيرة على رأسه..!  وما مؤتمر باريس إلا محاولة إعادة الحياة له، بعد نجاح الأيديولوجيا الأوسولوية مؤقتاً، في محاولاتها الحثيثة لتطويع العقل الفلسطيني وتكرار ما يبدو وكأنه سؤال المليون دولار: (ما البديل؟)، وهو نفس السؤال الذي طُرح على مانديلا ورفاقه عند قبول بعض الجنوب أفارقة بحل المعازل العرقية، وهو أيضاُ محاولة مستميتة من قبل دوائر الحكم الغربية المحافظة على مصالحها من خلال الترويج لحلٍ دائم الإنزلاق وبيع الوهم المطعم بنكهة صهيونية “يسارية” بأن هذا الحل العنصري هو الحل الوحيد الممكن، وإن كان على حساب الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، الطرف المستمَر في هذه المعادلة الاستعمارية.

إن المطلوب من المجتمع الدولي إن كان جاداً في التعامل مع حلول عادلة هو تأييد حقوق الشعب الفلسطيني التي كفلتها الشرعية الدولية من حرية وعدالة ومساواة، والعمل على: قطع العلاقات بالكامل مع إسرائيل حتى تستجيب للقرارت الدولية بهذا الشأن. ولا شك حملة مقاطعة دولية، وعدم استثمار في إسرائيل وفرض عقوبات عليها شبيهة بتلك التي فرضها المجتمع الدولي على نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا جديرة بإيصال رسالة واضحة المعالم ألا وهي أن المجتمع الدولي جاد في سعيه لتحقيق العدالة المنشودة في منطقة الشرق الأوسط، وأنه لم يعد بالإمكان التعامل مع حلول عنصرية عفا عليها الزمن على نمط حل الدولتين الذي بالضرورة يشكل نقيضاً جذرياً لمفهوم العدالة والمساواة. إن الحل الوحيد المتبقي، والذي يتم طرحه بعيدأ عن الدوائر الرسمية صاحبة القرار في الغرب، ولكنه يكسب زخماً تراكمياً على الصعيد القاعدي، هو حل الدولة الديمقراطية الواحدة، دولة لكل سكانها بغض النظر عن الدين، اللون، الجنس، الإثنية، العرق ..إلخ.  http://amin.org/articles.php?t=opinion&id=30451

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. – haidareid@yahoo.com
Advertisements