في مواجهة الذعر من فكرة الدوله الواحدة

كتب: عوض عبد الفتاح

منذ سنوات يشتعل النقاش ، ويزداد احتداما ، في مواجهة الحلول التقليدية للصراع ضد المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين . وينتشر النقاش ، بشكل خاص في دوائر فئه من الأكاديميين ، والمثقفين ، والنشطاء السياسيين . وما يجعل النقاش مثيرا  للاهتمام ويدفع الكثيرين،  حتى من المتحفظين ، الى أخذ الامر بجديه هو استمرار  انضمام أعضاء جدد  من الأكاديميين والمثقفين والمناضلين السياسيين ذوي المكانة المحترمه في مجالاتهم ، سواء كانوا فلسطينيين ، او اجانب ، او يهود ، او يهود اسرائيليين الى ساحة النقاش الذي يغني التفاعل الفكري وكذلك الحراك نحو خيارات استراتيجيه بديله  . واعتقد اننا اقتربنا من ألمرحله التي ستدفع أعدادا كبيره من المعنيين بانهاء جريمة الاستعمار الصهيوني على أسس العداله والقيم الاخلاقيه واولها قيمة التحرر الوطني ، تحرر شعب من العبوديه الاستعماريه ، الى ساحة التداول بالبدائل ، وصولا الى البدء  في فحص كيفية الوصول الى الهدف . والهدف هو  تفكيك منظومة الاستعمار الكولونيالي وازالة إفرازاته الاجراميه ، وتحقيق العيش المشترك بين من يعيش على هذه الارض ، فلسطين ، ومن طرد منها على يد المستعمر .

الغالبيه الساحقه من الناس لا يعرفون عن هذا النقاش ، وبالتالي هم محرومون من المشاركه والمساهمة في الإدلاء برأيهم والاسهام في تقرير مصيرهم وفِي اختيار شكل الإطار السياسي الذي سيكون مرجعيتهم الدستورية والقانونية في إدارة حياتهم بحريه وكرامه . بل في الحقيقه ، أيضاً ،  ان  غالبية المنخرطين في العمل السياسي والأكاديمي ، غير مشاركين  في هذا الجدل والبحث عن البدائل او المخارج للازمه الطاحنة التي أفرزها الصراع ودينامياته . وذلك اما لأسباب تتمثل في رفض  هذه البدائل ،  وفِي التمسك  بالحلول التقليدية التي ينظرون اليها كواقعيه  ، او اما لان الحياه اليوميه او متطلبات المهنه تلهيهم عن واجب الانخراط في هذا الشأن العام . وإلحاحه   للانخراط في هذا الجهد ايضا نابعه من كون  النقاش بات يتوسع  ويتناول شكل الدوله وطبيعة النظام : دوله لبراليه ديمقراطيه  على أساس المواطنه الفرديه ، دوله واحده  ثنائية القوميه ( ادوارد سعيد وعزمي بشاره مثلا ) او كونفدرالية  بين دولتين مع حدود مفتوحة ، او دولتين في وطن واحد كما تطرح مجموعه فلسطينيه إسرائيليه جديده .

ما يزعج في الامر ، ليس موقف الذين ليس لديهم الوقت للمشاركه ، او الذين ليس لديهم المعرفة الكافيه بما يجري خاصة وان الواقع الراهن بات اكثر تعقيدا وخطورة وأشد وطأة  من اي وقت مضى . إنما الذين ما زالوا يسخفون  الجهد المبذول  لبلورة هذه البدائل ،التي تتمحور في غالبيتها في اعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تعريفه ، و في فحص إمكانيات العودة الى فكرة  الدوله الواحدة القائمه على انقاض الاستعمار . اذ هناك من انصار الدولتين من ينبري في تحديك  والقول ” لدينا مشروع وطني واضح هو مشروع  الدوله في الضفه والقطاع” . هكذا ببساطه دون الدخول في كل ما مر به هذا المشروع التجزيئي والذي تم منحه اكثر من عقدين من الزمن  جرى خلاله عمالية قضم جارته   وإفراغه من مضمونه كليا  على يد المستعمر الصهيوني دون ان يواجه ، خاصة بعد استشهاد عرفات باستراتيجيه كفاحية حقيقيه . أنا اعتقد ، ان غالبية هؤلاء لا يطلعون على مئات الاجتهادات الراقية التي صدرت عن مراكز بحث ، وعن أكاديميين ، وعن مواقع فلسطينيه او اجنبيه ، التي قدمت تصورات استراتيجيه بديله عما هو متداول في الهيئات  الفلسطينيه الرسمية ، وفِي اروقة ما يسمى بالمجتمع الدولي . وتناولت الموضوع بعمق ومسئوليه ، وأبرزت فوائد هذاالخيار ، دون ان تهمل التوقف بإسهاب عند العوائق التي تنتصب أمامه ، ومنها العوامل الفلسطينيه الداخليه ، ومنها المتعلقة في بنية المشروع الصهيوني، والمجتمع الاسرائيلي ، ومنها الواقع الدولي .

مؤخرا سمعت مسئولا في السلطه الفلسطينيه ، في مقابله تلفزيونيه ، يحاجج بحماس شديد ضد الذين  ينادون بالدوله الواحدة بطريقة تبسيطيه  وكان الدنيا ما زالت على حالها كما يقولون   . ليس مطلوبا منه ان يتخلى عن مشروع السلطه الذي ما عاد مفهوما لشعبنا سوى انه تمسك  بسلطة وصفها رئيسها بأنها بلا سلطه. ولا نريد الذهاب ابعد منذ ذلك في وصف دورها الخطير . بل يتوقع منه ان يحترم البحث عن خيارات اخرى  وحق اوساط من الشعب الفلسطيني بالمبادرة، من خارج المؤسسات المترهلة والمتكلسه والفاسدة ،  في المساهمه  في تقرير مصيرهم .

مما قاله ان  من يطالب بالدوله الديمقراطية  الواحدة هو عاجز ومهزوم . اي من منطلق العجز عن مقاومة الاحتلال والاستيطان في الضفه والقدس . وأضاف محاججا : ” اذا كان حل الدولتين قد مات كما يدعون ، فان حل الدوله الواحدة مات منذ ثلاثين عاما ” . اذا منطقه يكرس  ، وفِي ظل غياب استراتيجية مقاومه لتحرير الضفه والقدس من الاحتلال الاستيطاني ، وقطاع غزه  من الحصار ، ناهيك عن التسليم بواقع اللاجئين وبواقع فلسطيني ال٤٨ ، يكرس العجز والهروب من مواجهة ، واقع الزحف الاستيطاني المتسارع والسيطره الصهيونيه  المطلقه على هذه المناطق الفلسطينيه التي من المفترض ان تقوم  عليها الدوله الفلسطينيه المستقله كاملة السياده . كما يكرس حالة القعود والتكلس الفكري والابداع ويرسخ المؤسسات التي باتت بمثابة القبر الذي تدفن فيه اي محاوله او تصور مختلف للخروج من حالتنا الراهنه . والأحرى ان يفكر ويتأمل هذا المسئول ، وهو يمثل طبقة السلطه ، في كيفية وصف اتفاق أوسلو ، فهل كان هذا نابعا من انتصار ، ام نابع من هزيمه كبرى والتسليم بها . ترى ماذا يسمي التخلي عن فلسطين ، عن حق عودة اللاجئين الى ديارهم (٤٨ ) وعن فلسطنيي  ال٤٨ ، والاعتراف بإسرائيل والتنصل من ، و ادانة  المقاومه . وهل الذي يطالب بكل فلسطين ويدعو الى اعادة توحيد الشعب وزج كل طاقاته في معركة تحرير طويلة الامد، يصنف في دائرة العجز و والتسليم بالهزيمة، ام مقاومة الهزيمه التي يكرسها اتفاق أوسلو  !!

ولا بد من توضيح الدوافع وراء المناداه بالعوده الى خيار الدوله الواحده على الأقل لغير المطلعين على حيثيات النقاش  :

ينطلق البعض من دوافع براغاماتيه، اي من واقع التسليم بالواقع ، واقع استحالة إقامة دوله فلسطينيه كاملة السياده في الاراضي الفلسطينيه المحتله عام ١٩٦٧، بسبب الزحف الاستيطاني وعدد المستوطنين الكبير والذين يصعب او يستحيل إخلائهم بدون وجود حكومه إسرائيليه مستعده لذلك ، وبدون دعم قوه دوليه كبرى لإجبارهم على الخروج من هناك . ويضيفون عاملا اخر متمثلا باستعداد الطرف الفلسطيني ، سلطة رام الله  تحديدا ، بقبول الكتل الاستطيانيه الكبرى القريبة من الخط الأخضر ، ومقايضتها  بأراضي في النقب محاذيه لقطاع غزه . اي ان هذه الأصوات ، مثل احمد قريع احد قادة فتح والسلطه سابقا  ، لا يسلمون  بالوقائع على الارض التي رسخها نظام الابارتهايد الكولونيالي في ظل اتفاق أوسلو وبالتوازي مع مسار المفاوضات الكارثية فحسب ، بل ايضا بالعجز عن تغييرها . وبعض هؤلاء ، يتبنون مطالبة  المستعمر منح فلسطينيي ال٦٧ حقوق متساوية او مواطنه متساويه  . وليس واضحا كيفية تحقيق ذلك وماهية المضامين  النهائية لهذا الطرح النابع من العجز وليس من منطلقات استراتيجيه تحرريه  . هذه الأصوات تعتمد فقط على الجانب القانوني ( خطاب الحقوق ) وتستبعد التاريخ .

أما منطلقاتنا للدولة الواحدة نابعه من ان هذا الخيار هو الأكثر عداله ، ينطلق من مبدأ الحقوق التاريخيه ، ومن من قيمة العداله الجماعيه واالحقوق الفرديه ، والعيش المشترك بعد تفكيك منظومة الاستعمار والعنصريه والنهب .
وعوده الى محاججة مسئول السلطه بان خيار الدوله الواحده مات منذ ثلاثين عاما . فمن أماته ؟ من الذي محاه من ذاكرة الأجيال ، ومن الذي روج ورسخ فكرة الدوله كبديل عن فكرة التحرر ، ومن الذي هدم ثقافة التحرر والمقاومه واستبدلها بثقافة ” بدنا نعيش ” وثقافة ” السلام الاقتصادي ” كطريقة هرب من واجب مقاومة المحتل وتدجين النخب . من الذي جعل معظم الناس في الضفه الغربيه تحصر طموحها في اقل من٢٠./. من فلسطين .

بل للأسف ، فان اوساطا من  المثقفين الفلسطينيين ، تخلوا عن دورهم ، ولحقوا بالسياسيين ، وراحوا ينظرون بمنهجيه ودون توقف او مراجعه لهذا التنصل . ان تبعية المثقف للسياسي هي من اخطر ما يواجه الامه، خاصة في مرحلة الازمه . كم نحتاج الى إستقلالية المثقف في الحفاظ على الموقف التاريخي وعدم  الانجرار وراء ضرورات السياسه ، وفِي هذه المرحله تحديدا حيث تشتد الحاجه الى الأصوات الناقدة والقادرة على فرملة التدهور الاخلاقي وعلى اعادة الوعي وتعزيزه  بروايتنا  التاريخيه .

ان  العودة الى خيار الدوله الواحده في فلسطين التاريخيه ، ينطوي على نقاط قوه استراتيجيه .

نقطة القوه الاولى ، وحدة الشعب الفلسطيني ، تاريخا وثقافة وهوية .

لقد أدى شعار الدولتين الى تدمير وحدة الشعب الفلسطيني ، والى تمزيق جغرافيه وديموغرافيا الجزء المحتل عام ٦٧ . وبقي اللاجئون وفلسطينيو ال٤٨ خارج هذا الحل . كيف يمكن تجنيد كل تجمعات الشعب الفلسطيني بكامل قواهم في النضال حين يكون الهدف محصورا في جزء  بسيط من الوطن ، وحين لا يكون لهم مكان في هذا الحل . فهل التضامن المحدود من جانب بقية هذه التجمعات المهمه من شعبنا وحده يكفي في معركة دحر مشروع استيطاني وإقامة دوله فلسطينيه مستقله . هل حل الدولتين يوفر  حوافز كافيه تدفعهم للانخراط  بصوره جديه في معركة التحرير والتحرر . ثم من يمثلهم على المستوى الوطني العام . اليست منظمة التحرير الفلسطينيه التي قادت النضال الفلسطيني قبل أوسلو ، معتقله تحت الاحتلال ، وباتت رهينة الاتفاقات الاوسلويه وفارغة المضمون بعد العجز عن إصلاحها ، ولا تمثل الا جزءا من الشعب الفلسطيني . ان انهاء التشرذم والتجزئه وإعادة بناء المشروع الوطني كمشروع يستجيب للتاريخ ولحقوق كل تجمعات الشعب الفلسطيني ، وتحقيق الوحده هو استعاده لاهم مصدر قوه . اي انه يجند الجميع في معركه واحده .

نقطة القوه الثانيه : عدالة القضيه .

في فلسطين اخر حاله استعماريه . العالم كله المساند لإسرائيل والمعارض لها ، يعترف بعدالة القضيه الفلسطينيه ، ويدرك ان هناك  شعبا يحق له حق تقرير المصير بغض النظر عن كيفية تجسيد هذا الحق . وهذا يوفر  الفرصه ليس في مجابهة اسرائيل في المحافل الدولية والعمل على تغيير مواقف الحكومات من الموقف النظري  الى العملي فحسب ، بل ايضا ، وكما هو حاصل ومتجدد منذ انطلاق نداء المقاطعة من قوى المجتمع المدني الفلسطينيه عام ٢٠٠٤، يتيح الفرصه لتجنيد  المزيد من المجتمعات المدنيه في العالم لصالح قضية فلسطين . المشكلة القائمه الان هو ارتهان السلطه لاتفاقات أوسلو التي تمنعها من خوض، او الانخراط في حملة المقاطعة الشامله لإسرائيل وليس فقط للمستوطنات في الضفه الغربيه . هذا ناهيك عن القصور المريع في مواجهة الاستعمار في القدس وفِي كل بقعه من ارض الضفه .

نقطة القوه الثالثة ؛ اخلاقية الطرح .

ان خيار الدوله الواحده ، ليس خيارا وطنيا واخلاقيا للشعب الفلسطيني فحسب ، بل هو ايضا خيار اخلاقي وإنساني لانه يقوم على القيم الكونيه ؛ العداله والمساواه والحريه . يقوم على مبدأ العيش المشترك مع أبناء واحفاد المستعمرين ، بعد تجريد المستعمر من مصادر السيطره والقمع والنهب ، او بعد  إجباره على التسليم بذلك .

هذا الخيار لا يقوم على التقسيم والفصل بل على الشراكة اما بين مواطنين متساوين في اطار دوله ديمقراطيه تقوم على المواطنه الفرديه  ، او بين مجموعتين في اطار دوله واحده ثنائية القوميه  ؛ الاسرائيليون والشعب الفلسطيني .

هل هذا حل طوباوي ؟ وإذا كان غير ذلك ما العمل وما السبيل الى هذا الهدف .

ربما بات من المنطقي أكثر طرح التساؤل بخصوص طوباوية حل الدولتين ، وليس حل الدوله الواحده ؟

لقد جربت الحركه الوطنيه الفلسطينيه السير من اجل حل الدوله الديمقراطية العلمانيه لبضعة سنوات فقط  ، ثم تخلت عنها ، ومنذ ذلك الحين ، منذ عام ١٩٧٤ تجرب حل الدولتين . وماذا كانت النتيجه ، وبعد اكثر من عشرين عاما من المفاوضات المباشره ، تحت مظلة أوسلو ؟!

نعم لقد خاض الشعب الفلسطيني نضالات جسوره وقدم  تضحيات جسام ، غير ان المفاوضات المسقوفة باتفاق مذل لم تؤد سوى الى استكمال استعمار الضفه والقدس وتمزيقها الى كانتونات محاصره وغير مترابطة .

في هذه الحقبة تم التخلي عن معظم نقاط قوة الشعب الفلسطيني : وحدته كشعب واحد ، ومكانته بين الشعوب ، التي تضامنت معه باعتبار قضيته قضية تحرر وطني عادله . ولان نحن لا زلنا نعيش كارثة الانقسام ، انقسام الحركه الوطنيه.

ليس حل الدوله الواحده مطروحا على الطاوله ، وليس مطروحا للمفاوضات . وفِي الأفق القريب والمتوسط تغيب اي تسويه تحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني . على الارض هناك واقع الدوله الواحده، وليس حل الدوله الواحده . دوله واحده يحكمها نظام فصل عنصري استعماري متوحش ، نظام أبارتهايد كولونيالي أشد وطأة من مثيله البائد في جنوب افريقيا .

والسبيل الى ذلك  طويل وصعب ومركب  ، و يحتاج الى تغيير المنهج والرؤية . يحتاج آلى  استراتيجيه مختلفه ، تتوزع على مراحل .

المرحله الاولى ، اعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني . يجب إعادته  الى الأصل ، والاصل هو ان قضية فلسطين قضية تحرر  وطني من نظام استعماري اوروبي غزاها ونفذ اكبر عملية سطو في التاريخ في وضح النهار وشرد نصف شعبها . وهذا يقتضي منطقيا وتاريخيا واخلاقيا اعادة تعريف اسرائيل باعتبارها نظام أبارتهايد كولونيالي لا شرعيه له ، لا تاريخيه ولا سياسيه ولا اخلاقيه  . وهذا بالضروره يقتضي سحب الاعتراف الذي منحته إياها  قيادة الحركه الوطنيه الفلسطينيه في اتفاقا أوسلو  عام ١٩٩٣ . لا يعقل ان يتواصل تشريب الأجيال الفلسطينيه الجديده بخطاب أوسلو عن اسرائيل وكأنها  دوله طبيعية وعاديه في الوقت الذي تواصل فيه ممارسة الجريمه الاستعمارية الممتدة على مدار  قرن من الزمان  وفِي ظل منح  القياده الفلسطينيه الشرعيه لهذا الكيان .
المرحله الثانيه ؛ وارتباطا بالنقطة الاولى ، اعادة بلورة الروايه الفلسطينيه الواحده ، التي تربط تجمعات الشعب الفلسطنيي بالتاريخ والثقافه والهوية وبالجغرافيه الواحده الموحده . لقد أدى المشروع الصهيوني الى تجزئة شعبنا ، ونجم عن أوسلو تكريس هذه التجزئة و تطور خصوصيات ومشاريع فرعيه منفصلة يحمل تكريسهاخطورة  مشاريع منفصلة متصادمه او متناقضة  . طبعا ، يشهد العقدين الاخيرين المزيد من التشبيك والتعاون  بين فئات أكاديمية ، وأدبائه ، وشبابية ، من جانبي الخط الأخضر ، ومع الشتات والمهجر . والجهود وان كانت حتى  الان محدوده نسبيا وبدون  سقف وطني شامل منظم ، فإنها متواصلة ومتنامية . ويشبه هذا الحراك الثقافي والأدبي والشبابي وأحيانا الميداني ، عملية اعادة بناء الامه وتوحيدها بعد ان نالها ما نالها من هزائم وتفكك وتشتت .

في ظل العجز العام  ، وفِي ظل المأزق الخانق الذي تعيشه الحركه الوطنيه الفلسطينيه ، وغياب القائد الملهم ، والمشروع  الملهم تنمو مظاهرالياس والإحساس بالضياع،  وتتعزز الفرديه ونزعة الخلاص الشخصي  . ما معناه  تتاكل مشاعر الانتماء  للجماعة وتتآكل مناعة المجتمع وقوته   . ولكن في المقابل ، وبسبب مواصلة اسرائيل عدوانها ، وحروبها ونهبها وحصاره لتجمعات هذا الشعب ،  تتعزز المشاعر الوطنيه بين هذه التجمعات التي تجد نفسها بصوره متزايده تتعرض لنفس ممارسات القهر والإضطهاد والملاحقة . وهو ما يؤسس لارضية تلاقي ليس فقط على ارضية مشاعر عابرة او مصالح يوميه مؤقته  ، بل على أساس رابطه قوميه موحده ، ومصير سياسي مشترك . هذا ما يتطور يوميا على ارض  الواقع . وقد لا يتطور هذا الاتجاه من تلقاء نفسه نحو سقف مشترك اعلى  . ولكن وعي هذا التطور التاريخي من جانب  الطلائع الوطنيه والمثقفة ، من شانه ان يقود الى التحول المنشود اي العمل تحت سقف رؤيه وطنيه وديمقراطيه مشتركه ، تأخذ بعين الاعتبار  خصوصية كل تجمع وأولويات حياته اليوميه  وواقع النظام السياسي الذي تعيش تحت حكمه او ادارته ، وتخصه بطرق نضاليه قادر على تحمل تبعاتها،  وتناسب واقعه السياسي .

في هذه الظروف الخطيره ، وفِي ظل ميزان القوى الراهن المائل لصالح نظام الابارتهايد ، وفِي ظل فقدان الرؤيه الفلسطينيه ، وتمركز القرار الفلسطيني داخل فئه صغيره ، يصبح العمل من تحت ، اي من خارج البنى الرسمية ، حاجة وجوديه . ليس المطلوب في ظل هذا الواقع طرح برامج عمليه غير واقعيه ، ولكن مطلوب رؤيه لأهدافنا الاستراتيجيه ، ومطلوب برامج ثقيفيه منهجيه وفكريه  سياسيه تتسق مع التاريخ ، تاريخ القضيه ، وخلق خطاب وطني وديمقراطي موحد يصبح إنجيل او قران  الأجيال الجديده ؛ خطاب وطني تحرري ، و تبني وتذويت مفاهيم العداله والمساواه والحريه واحترام كرامة الانسان . هذاالخطاب ، وحوامله ( اي الناس من كافة الشرائح والإعمار المؤمنه بهذا الخطاب ) هما البنيه التحتيه للمشروع الوطني الجامع .   http://www.wattan.tv/news/197488.html

Advertisements